| 19 حزيران 2019 | 15 شوال 1440 هـجرية
  
  
  
$
دولار أمريكي
3.612
JD
الدينــار الأردنــــي
5.0938
اليورو
4.0413
الجـنيـه المـصــري
0.2156
الفجر
03:55
الشروق
05:34
الظهر
12:42
العصر
04:22
المغرب
07:49
العشاء
09:22
الاربعاء - 19 حزيران
20/29
الخميس - 20 حزيران
18/29
الجمعة - 21 حزيران
19/30
السبت - 22 حزيران
17/29
الأحد - 23 حزيران
18/30

الحداثة والثقاقة

  2019/03/18   11:41
   د.عبد الله ابراهيم
شارك الخبر مع أصدقائك
طباعة
أضف تعقيب

أمست الثقافة الحديثة عابِرةً للقارّات، ووضَعَ التمايزُ بين المجتمعات على أُسسٍ ثقافيّة الثقافاتِ التقليديّة أمام احتمالَين: إمّا ذوبان الهويّات الثقافيّة الأصليّة إذا لم تتشبّع بالخصائص الشعوريّة والذهنيّة والتاريخيّة المتّصلة بسياقاتها الثقافيّة، وتكون، في الوقت نفسه، قادرة على تجديد نفسها، أو الانكفاء على الذّات بسبب هَيمنة الثقافـات الغريبة عليها. وفي هاتين الحالتَين تتعرّض الثقافات لخطر الانقراض أو الاحتماء بمفاهيم الماضي والانحباس في أسوار المسلّمات، والدوائر المُغلقة، وإنتاج صُور متخيّلة عن عصور الشفافيّة الأولى كمُعادلٍ موضوعيّ لحالة الخوف من الثقافات الأخرى.

تُواجِه الثقافات الأصليّة تحدّيَين في آن واحد: الذوبان أو الجمود. وهو أمر حدَّ من قدرة تلك الثقافات على الوفاء بوعودها كأنظمة رمزيّة تحتضن شؤون التفكير والتعبير. ولطالما قيل إنّ الثقافات تتمازج، وتنشأ هويّات ثقافيّة جديدة، وتتشكّل مجتمعات حقيقيّة أو متخيّلة، ثمّ تنحلّ، وتتلاشى، ومع ذلك فإنّ الثقافات الأصليّة ما زالت تحدِّد مَعالِم الثقافات الجديدة، وما انفكّت تلك الثقافات تستأثر بالأهميّة، ولم يصل العالَم بعد إلى الثقافة الجامِعة لكلّ المَشاعر والأحاسيس والخيالات والعلاقات والأخلاقيّات. واختفاء جانب من الثقافات المحلّيّة لا يعني تلاشيها كما يذهب كثيرون إلى ذلك، فالثقافة هي أكثر من مجرّد ما يظهر للعيان، وهي أعمق من ذلك بكثير. والثقافات تتـفاعل لكنّـها لا تتلاشى. غير أنّ تعارُض الأنساق يلحق ضرراً بالغاً بالثقافات الأصليّة، وقد يفضي إلى انهيار النماذج الكبرى التي تقوم عليها، فيتأتّى عن ذلك لجوءٌ إلى العنف للحيلولة دون ذلك.

وفي عالَم لا تتكافأ قوّته، فإنّ الحديث عن تبادُلٍ ثقافيّ مُتكافئ يُعتبر خاطئاً، فالأمر هو "استعارة" أنساق ثقافيّة بهدف مُعالجة مشكلات استبعدت أنسـاقها الأصليّة. ولا يخفى أنّ لذلك أسبابه التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة؛ فمن جهة أولى تمكّن "الغرب" من بلْورة منظومة ثقافيّة اتّصفت بكفاءة ظاهرة، وأَنتج قوّة متينة اختزلَت "الآخر" إلى مكوّنٍ هامشيّ اندرج في علاقة تبعيّة للغرب؛ وفي المقابل، لم تطوِّر الثقافات "الطرفيّة" منظومة فروض خاصّة بها، فاخترقتها ثقافة "الآخر" ومزّقت نسيجها الداخلي، فلم يكُن ثمّة تداخل بين الثقافتَين قائم على التأثّر والتأثير الفعّال بل وَقَعَ تهجينٌ منقوص تأدّى عنه انهيار الكثير من مكوّنات تلك الثقافة، واستبداد أنساق أخرى بها.

ظهر التهجين الثقافي المشوّه لأنّه لم يستند إلى علاقات مُتكافئة، وظلّ هذا المبدأ قائماً في أشدّ مناحي الفكر أهميّة كالمَناهج النقديّة والتربويّة والمفاهيم والفرضيّات، وأفضى إلى تفريغ الأنساق الأصليّة من مضامينها وشحْنها بمعاني مُختلفة. وبدأت أكثر القضايا خطورة وحساسيّة تُعـالَج على هامـش قضايا الفكر الغـربي. وبالإجمال، فقد نشأ "التهجين" في ظلّ غياب "الحِوار المعرفيّ". وكلّما مضى الزمن تفاقمت الصعاب، فأصبح كلّ تغيير يحتاج إلى آلة خارجيّة، بما في ذلك قضيّة التحديث الاجتماعي والسياسي.

وقد توسّم كثيرون أن تقوم الحداثة بمحو الحدود الفاصلةِ بين التجمّعات القوميّة والعقائديّة، وأن تفكّ الانحباسَ التقليديَ المُتوارثَ فيها، وبخاصّة في الانتماءات الدينيّة والعرقيّة، والحال فقد بذرتْ خلافاً جديداً، تمثّله مفاهيمُ التمركزِ والتفوّقِ والتفكيرِ، بسيطرة نموذجِ ثقافيّ على حساب آخر بالقوّة، وهو أمرٌ نشّطَ المفاهيمَ السجاليّة التي تخمّرتْ في طيّات القرون الوسطى، وصارتْ تُبعَثُ اليوم بصورة إشكاليّاتِ الهويّة والخصوصيّة والأصالة والحفاظ عليها بطُرق عنيفة.

وينبغي التأكيدُ على أمرٍ كاد يُصبح قانوناً ثقافيّاً عامّاً، وهو أنّ البطانةَ الشعوريةَ-العقائديةَ، وهي تشكيلٌ متنوّعٌ من تجاربِ الماضي والتاريخ والتخيّل والاعتقاد واللّغة والتفكير والانتماءات والتطلّعات، تؤلّفُ جوهرَ الرأسمال الرمزيّ للتجمّعاتِ البشريةِ المُتشارِكة بها، أقولُ إنَّ تلك البطانةَ المركّبةَ تعملُ على جذب التجمّعاتِ البشريّة الخاصّة بها إلى بعضها، وتدفعُ بها إلى قضايا شائكة لها صلةٌ بوجودها، وآمالِها، وقد تتراجعُ فاعليّتُها التأثيريّةُ في حِقبة بسبب ضمور فاعليّةِ عناصرهِا، لكنّها قابلةٌ للانبعاث مُجدّداً في حالة التحدّياتِ والتطلّعاتِ الحضاريّة الكبرى. ولا يُستبعدُ أن تُغذّى بمفاهيمَ جديدةٍ تُدرجُ فيها من أجل موافقةِ العصر الذي تتجدّدُ فيه.

هذا هو الذي يبعثُ التفكيرَ ثانيةً في الماضي الذي يُصبح حضورُه ملحّاً حينما تشرفُ المجتمعاتُ على حالاتِ تغييرِ جذريّة في قيمها وأخلاقيّاتِها وتصوّراتِها عن نفسها وعن غيرها. ينبثقُ تفكيرٌ ملحٌّ بالماضي حينما يكونُ الحاضرُ مشوَّشاً، وعلى عَتبةِ تحوّلاتِ كبيرة، إمّا بسببِ مخاضاتِ تغييرٍ داخليّ أو بفعل مؤثّراتٍ خارجيّة، وهو ما يفسح فرصة للعنف في أن يكون جزءاً من استراتجيّة الدفاع عن النفس.

على أنّ الأمرَ المهمَّ هو أنّ بعض المجتمعاتِ بدأتْ تعبّر عن ردّةِ فعلها تجاه ذلك بصوغِ مشروعاتٍ ثقافيّةٍ مُشتقَّةٍ من السياق الثقافي الخاصّ بها، وهي تسعى إلى استلهام صورِ الماضي كمقـاومةٍ رمزيةٍ. ففرضُ قيَمٍ غريبة يُنتجُ ردودَ فعلٍ مضادّة، وأحياناً يوقدُ شرارةَ التفرّد الأعمى، لأنّ هَيمَنة نموذجٍ ثقافيّ واحد كما تسعى العولمةُ إلى ذلك لا يؤدّي إلى حلّ المشكلات الخاصّة بالهويّة والانتماء، بل قد يؤدّي إلى ظهور إيديولوجيّات تضخّ مفاهيم جديدة حول نقاءِ الأصل وصفاءِ الهويّة، ثمّ إنّ محاكاةَ النموذج الغربيّ ستقود إلى سلسلة من التقليد المفتعلِ الذي تتقاطعُ فيه التصوّرات، وهو يتعارض مع القيَم الموروثة التي ستُبعث على أنّها نُظمٌ معنويّة تُستَثمَرُ لتأجيج التعصّب العرقي والديني والثقافي.

قادت الحداثة إلى ظهور تراتبٍ جديد أكثر من السابق، لأنّها زرعت فكرةَ الولاءِ للآخر، والتبعيّةَ، وهَيمنةَ الفكر الامتثاليّ، واختزالَ الذّات إلى عنصرٍ هامشي، واستبعادَ المكوّنات القابلة للتطوّر، وتفجُّر الحراك الاجتماعي بطريقةٍ فوضويّة، وذلك كـلّه يُسبِّب انهيـاراتٍ مُتعـاقبةً في الأنساقِ الثقافيّةِ الأصلية. ولهذا فقد أصبح من الضروري التخطيط لحداثة اجتماعيّة تتولّى تفكيك العلاقات التقليديّة المُعيقة للتطوّر المجتمعي، وبها تستبدل ضروباً مُختلفة من العلاقات القائمة على التكافؤ والشراكة، وليس التمايُز والتراتُب، فتضع الجميع في منطقة مُشترَكة، وليس خلف الأسوار العرقيّة، والعقائديّة، والمذهبيّة، والقبليّة، والجنسيّة التي تحول دون التواصُل والتفاعُل.

*كاتب من العراق

لإضافة تعقيب الرجاء تعبئة البيانات

أضافة

التعليقات