| 17 حزيران 2019 | 13 شوال 1440 هـجرية
  
  
  
$
دولار أمريكي
3.6
JD
الدينــار الأردنــــي
5.0781
اليورو
4.0584
الجـنيـه المـصــري
0.2148
الفجر
03:55
الشروق
05:34
الظهر
12:41
العصر
04:21
المغرب
07:48
العشاء
09:21
الاثنين - 17 حزيران
18/28
الثلاثاء - 18 حزيران
19/29
الاربعاء - 19 حزيران
19/29
الخميس - 20 حزيران
18/29
الجمعة - 21 حزيران
18/30

الألقاب والشهادات لا تثبت الحقيقة والأفضلية

  2019/03/31   11:01
   أمين أمكاح
شارك الخبر مع أصدقائك
طباعة
أضف تعقيب

إننا في الوقت الحاضر نعيش وسط مجتمعات تحسب حساب المظاهر قبل أي حساب آخر حتى لو كان الأمر متعلقا بالقيم الأخلاقية فإنه يتم تجازوها وعدم الاكتراث لها بسهولة، والألقاب والشهادات من بين تلك المظاهر، لهذا لا أرى أن هنالك إهانة للذات أكثر من التعامل معها من منطلق سطحي مغلف بالنفاق؛ كاستخدام الطرق غير الشرعية لإثبات أفضليتها للآخرين عن غيرها وإن كانت على النقيض من ذلك، أو جعلها وسيطا في استغلال قلة فهم الآخرين وذلك بمعسول الكلام لتأكيد حقيقة زائفة ليست كالتي تحمله النفس مع أنه لا يراد به إلا نيل مراد نفعي شخصي.

إن التطرق إلى الحديث عن الألقاب والشهادات ليس بمعرض إعطاء صورة قاتمة عليها أو الانتقاص والتجريح ومحاولة النيل من كل من يحملها، لكن الغرض من ذلك كله هو كشف الحقائق بلا زيف وإظهار مكامن التضليل، لهذا فاختيار هذا النهج بالتحديد راجع لكونه الأنجح في إسقاط الأقنعة، خصوصا التي يرتديها من يحسبون أنفسهم أنهم الأفضل ويدافعون بضراوة عن الألقاب المزيفة التي يلصقونها لأنفسهم بعد تضخم أناهم الفارغ، أو الذين يفتخرون بشهاداتهم التي تفتقد لأية قيمة إضافية حقيقية للميدان العلمي والعملي، لأن ما يدعون أنه من إنتاجهم هو مجرد نسخ ولصق لأفكار الآخرين، وهؤلاء بالذات لا يمكن أن تجدهم في المواضع التي يكشف فيها عن المواقف الشريفة بلا خوف من ردة فعل أي كان، وهذا لا ينفي وجود الذين نالوا ما ذكرنا عن جدارة واستحقاق، أولئك الذين يظهرون مواقفهم بكل شجاعة بدون ديبلوماسية ولف ودوران، لهذا تجدهم لا يتوانون في توعية غيرهم والمساهمة في نهضة المجتمع ككل، ليصبح أكثر وعيا وإدراكا لحقيقة الأمور والوقائع.

في زمننا هذا كثيرون هم أولئك الذين يتبجحون علينا بأدبهم وفنهم وما يحملونه من ألقاب، فيكتبون للناس الأفكار الجميلة ويقومون بإظهار أعمالهم الرائعة ويدعون الاحساس الشديد بالآخرين، بينما هم في واقع الحال ليسوا متناغمين مع ما يقولون أو يفعلون؛ فتجدهم يتعالون على العوام ويتجاهلونهم ولا يعطون القيمة إلا لأصحاب البريق والشأن والمنفعة في تعاملهم وتصرفهم المباشر المنافي للذي يُنظِّرون له ويكتبونه في مؤلفاتهم ويظهرونه في أعمالهم وتمثيلياتهم الخداعة، وهذا كله دليل على الازدواجية المقيتة؛ شخصية على الورق أو وراء ما يخبئون فيه وجوههم الحقيقية وشخصية تمثل واقعهم القبيح بلا نفاق كل واحدة منهما بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وبالتالي فالألقاب والشهادات وحدها لا تكفي لإثبات الواقع الحقيقي والأفضلية الحقة.

 

إن أغلب الألقاب في المجتمعات المتخلفة لا تعني شيئا على مستوى القيمة العلمية والعملية، لأنها لا تعبر دائما عن الحقيقة وليست مقياسا للأفضلية، خصوصا وأن الألقاب اليوم أصبحت نوعا من أنواع مظاهر التفاخر التي يتم السعي لنيلها بكل الطرق الممكنة ولو على حساب كل ما هو أخلاقي، ولخير دليل على ذلك هو الاعتقاد المغلوط بأن الألقاب تعطي السطوة وتمنح القوة وترفع أصحابها لمكانة مرموقة حتى لو كانوا لا يستحقون كأشخاص أدنى احترام، إلا أنهم يلجأون إلى ألقابهم لجذب الاهتمام المتوهم والتقدير الزائف من غيرهم، فتلك الميزة التي يعتقدون أنهم يتوفرون عليها لا تضفي لهم سوى بريقا وقتيا أو لمعانا لحظيا قد يزول مع أول تعامل مهم.

الألقاب والشهادات وحدها لا تكفي لنتأكد من أنها تمثل حقيقة الشخص ولا تمنحنا الحق لتقييمه على أنه الأفضل؛ فكم من وزير للتربية ناقص للتربية وفاقد لقيمها العليا، وكم من إنسان يحمل شهادات عليا خولت له تقلد منصب أمين عام مع أنه لا يمتلك قيمة الأمانة، وكم من مسؤولين وأطر عليا يعلقون وراء مكاتبهم الفاخرة شهاداتهم العلمية ويضعون على طرف طاولاتهم شهادات التقدير التي حصلوا عليها لتفوقهم في مسارهم العلمي لكنهم فاشلون في تعاملهم وتصرفهم مع الآخرين، لكونهم يتكلمون بلغة فوقية ويزدرون من يظنون أنهم دونهم، فهُم يرون أنفسهم الأفضل وفي مكانة أعلى من غيرهم؛ كأنهم هم أصل الوجود وغيرهم مجرد نكرة؛ إن المقاييس العليا للأخلاقيات الشخصية التي تمكننا من معرفة الحقيقة وتحدد لنا من الأفضل لا ترتبط أبدا بالشكليات الخداعة.

لا يمكن للشهادات العلمية أو غيرها أن تثبت حقيقة المرء أو أن تدل على أفضليته على غيره من دون الدراية التامة بالمواقف الشخصية والممارسات التي تصدر منه، فكم عرفنا من أناس حاصلون على شهادات عليا وهم فارغون مما تصرح به وخاليين مما تقتضيه، وفي المقابل نبصر آخرين لم ينالوا هذه الشهادات لكن اسمهم المجرد بدون ألقاب أعظم من كل لقب لارتباطه بعطائهم النبيل وصنيعهم الإنساني. إن ‏الشهادة العلمية على سبيل المثال تبقى مجرد ورقة ما لم تثبت صحتها في الواقع، فلربما لا يمكنها حتى إثبات أن الحاصل عليها متعلم كما هو منصوص عليه فيها؛ لكونه غير متمكن من غالبية التكوينات التي تلقاها عبر مسارها الزمني المحدد، لكن أمور خارجية تدخلت بشكل لا أخلاقي فجعلته من الحاملين لها، بل وقد تكون في الأساس تلك الشهادة مزورة لذلك لم تعد تلك الورقة تثبت شيئا من تلك التعلمات، وما يترتب عليها بعد نيلها باطل سواء كان لقبا أو غير ذلك.

هناك أشخاص يصلون لأعلى درجات العلم والمعرفة، لكن للأسف لا يعرفون كيفية التصرف مع الآخرين، لكونهم يفتقرون للأخلاق الحسنة لما أصابهم من كبر جراء ما يوصفون به من ألقاب، فيتقمصون شخصية المتعالي بالشهادات التي حُصل عليها فيصيبهم الغرور والعياذ بالله. ومن التساؤلات التي تراودني الآن: هل كل من يفتخر بشهاداته يعبر عن وجود رصيد فكري لا يستهان به وعن مستوى ثقافي أو مهني عالي؟ وما الذي يريد الإنسان أن يفعله حقا بالشهادات المذيلة بالنعوت اللافتة للأنظار دون أن يضيف أي رصيد معرفي أو عملي له ولمجتمعه؟ وإن كانت الأموال وحدها قادرة على جلب الألقاب والشهادات فأية فائدة حقيقة ترجى منها؟

الأقوام تسود وتكون لها الأفضلية على سواها بمكارم الأخلاق لا بالألقاب والشهادات، لست ضد المظاهر الشكلية إن كانت تعبر عن واقع الحال الحقيقي وتقدم إضافة ذات معنى صحيح ومغزى فعلي نبيل. أليس من الضروري أن تكون هناك معايير أخلاقية ومميزات قيمية تحكم اختياراتنا للأفضل؟ وألا تكون الشكليات الخداعة هي السبب الوحيد في الحكم، فالمظاهر المتمثلة في الألقاب والشهادات أضف إلى ذلك الشهرة الزائفة لا تمنح صاحبها القلب الطيب والتصرف الإنساني والضمير الحي والسعي الزاخر بالعطاء لخدمة البشرية بلا مقابل.

كيف يكون الأفضل من لا تهمه المكاسب الأخلاقية والانتصارات القيمية بقدر ما تهمه المطامع المادية والامتيازات الدنيوية؟  سنعيد السؤال بطريقة أخرى: هل الذي يلهث وراء الألقاب والشهادات بلا بصيرة يستحق أن يكون الأفضل من غيره الذي ينتصر لمبادئه وقيمه قبل أي شيء آخر؟ كل الألقاب التي تنعت بها والشهادات التي بحوزتك بلا قيمة إن لم تشهد على إنسانيتك، بل وقد تعبر على أميتك الأخلاقية والأدبية. إن الأفضل لا يحتاج لمن يعترف به أو يزين صورته ويجملها، يكفيه أن ما يفعله خالصا لا يحتوي على ما يدنس طهره الأخلاقي، وإن لم يسطع للعيان بريق ما يقوم به، يبقى دائما العمل الجاد طريقه الذي لا محيد عنه، لكن القوم الفاسدين الذين لا يهمهم سوى إرضاء هواهم الشرير وشيطانهم الخبيث لا يكفون عن تضليل وتوهيم وتغليط رأي العوام، متغافلين عن حقيقة لا مفر منها، والتي مفادها أن الحجب الواهية زائلة زائلة ولو بعد حين.

وقبل الختام سأغير اتجاه كلامي عن الذين سقطوا في مستنقع الشهوات والنزوات العابرة وغرقوا في حب المظاهر ونيل الأمور الزائفة للأبهة وخداع السذج، فالحديث عن هؤلاء قد استوفى نصابه الذي يستحق، لكني سأوجه خطابي الآن للذين لا زال لديهم سعي للشهادات والألقاب بدون الاستحقاق الشريف والبذل المعطاء للمعرفة والإنتاج العملي الحقيقي، منذ متى كان الارتقاء في سلم النجاح الحقيقي وبلوغ المجد بطرق لا تمت للأخلاق الحسنة بأية صلة؟ أيعقل أن تحكم على أفضلية أحد على غيره لمجرد أنه يمتلك شيئا لا يعكس الواقع كما هو؟ أنت الأفضل من غيرك بتقواك لربك وذلك متى ما أدركت عقديا وفعليا حقيقة الدنيا والمصير الذي ينتظرك وسعيت لأجل ذلك بإخلاص وثبات.

المصدر : مدونات الجزيرة

لإضافة تعقيب الرجاء تعبئة البيانات

أضافة

التعليقات