| 26 آب 2019 | 24 ذو الحجة 1440 هـجرية
  
  
  
$
دولار أمريكي
3.511
JD
الدينــار الأردنــــي
4.9513
اليورو
3.8854
الجـنيـه المـصــري
0.2119
الفجر
04:48
الشروق
06:11
الظهر
12:42
العصر
04:19
المغرب
07:11
العشاء
08:31
الاثنين - 26 آب
19/33
الثلاثاء - 27 آب
16/32
الاربعاء - 28 آب
20/31
الخميس - 29 آب
19/30
الجمعة - 30 آب
20/31

عادة "نقوط العريس" هل هي دَين أم هدية؟

  2019/08/05   18:01
   د.مهدي أمين المبروك
شارك الخبر مع أصدقائك
طباعة
أضف تعقيب

لا يستطيع الإنسان أن يعيش وحيداً منفرداً عن الأفراد الذي يشكلون البيئة الاجتماعية المحيطة به، لذلك دعت رسائل السماء إلى تعزيز الروابط المتينة بين الناس فعلى الرغم من كونهم شعوباً وقبائل إلا أنَّ غاية ذلك هو التعارف فيما بينهم، فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). وشبَّه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنين واصفاً لهم فقال: (كمثل الجسد الواحد) ووجه الشبه في ميدان التكافل والتناصح والشعور المتبادل بآلام الغير وتطلعاته، كل تلك الدعوات جاء لتعزيز العلاقات الإنسانية، وترسيخ صفات الإنسان المثالية والتي منها الكرم والجود والنخوة والشجاعة وما يرافقه من تقديم المال دون انتظار مقابل أو منفعة.

ومع تعقيدات الحياة وتطور القيم الإجتماعية أضاف الإنسان إلى سلوكياته قيوداً وأغلالاً تمنعه من تحقيق التواصل الفعَّال، عندما ربط أشكال التواصل الاجتماعي في العائلة الواحدة أو المجتمع المحيط به بالمال على اعتبار أنَّه إذن المرور على الجسر الذي يُعبَرُ من خلاله إلى القلوب ثم إلى بناء العلاقات الطيبة، وفي هذه الحالة إذا عجزت اليد عن تقديم المال فإنَّ الجسر يُصبح مغلقاً لا يمكن للشخص أن يصل من خلاله إلى أقاربه بشكل حيوي وفعَّال، فتتحوَّلُ غاية التعارف بين الناس من عمليةٍ سهلةٍ إلى معقدة، وتحلُ المصيبة على صاحبها وحده دون أن يتداعى له كافة أعضاء المجتمع بالحمى والسهر.

ومما اعتاده الناس في المجتمعات العربية هو تقديم ما يُطلق عليه (نقوط العريس) وهو مبلغ من المال يقدم للعريس بشكل فردي من قبل أصدقائه وأقاربه يوم زفافه تعبيراً عن الفرح والسرور، وتقديراً للعريس لا حد لقليله أو كثيره، وهذا مسلك جميل يحمل معاني التكافل والتراحم بين أبناء نسيج العائلة الواحدة أو المجتمع بكامله، فيتحقق المقصد الشرعي الذي وصف الأمة المسلمة بالجسد الواحد وينمي المحبة والسلام بين أبناء النسيج الاجتماعي الواحد.
ولكن بالمقابل قد يتحول هذا (النقوط) إلى فريضة اجتماعية يعاقب تاركها (بالمقاطعة) وهي: التي لا يُظهر فيها كلا الصديقين أنَّ علاقتهما أصبحت متشققة تحتاج للترميم مجدداً، ولكنها تُظهر أنواعاً من العتاب الذي يقضي على الحب، ثم يُفني العلاقات الطيبة، فيحدث الجفاء ويكثر التحدث عن الصفات السلبية لتارك تلك العادة خاصةً إذا قدم له العريس مالاً مسبقاً كنقوط يوم زفافه، بدوره هو لم يترك تقديم النقوط اختياراً بل ربما أرغمته ظروف الحياة الصعبة على اتخاذ أحد قرارين الأول هو: الإحجام عن تقديم المال، وأمَّا الثاني فهو: الانعزال وحيداً بعيداً عن مظاهر الاحتفال والفرح الذي لا يتم إلا بتقديم المال.

ولو تأملنا قليلاً في حياة شخص واحد دُعيَ في شهر واحد إلى 10 أعراس على الأقل فإنَّ ثلث راتبه سيدفع كنقوط إذا قدم ما قيمته 20 دولاراً أمريكياً لكل عريس، وعلمنا أنَّ متوسط دخله الشهري هو 600 دولار أمريكي، تلك نفقات تؤثر اقتصادياً على دخل الفرد فتزيد من ديونه هرباً من التعرض للجدل الاجتماعي أو النظرات المنتقدة أو أي كلام يجرح المشاعر ويسيل ماء الوجه، وبالمقابل تؤثر في تغيير معنى الهدية من صدقةٍ لا ينتظر صاحبها أن تعود عليه في الدنيا بمنفعة مادية، إلى دين غير مكتوب يؤدي تراكمه وعدم القدرة على السداد إلى قطيعةٍ اجتماعية.

ومما يحافظ على استمرار (النقوط) بمظهره السلبي الذي يحمل معنى (الديّن) هو (العتاب الإجتماعي) ذاك سلاح ذا حدين يجرح في كلا الاتجاهين فالمرة الأولى يستفيد منه العريس عندما يخشى الآخرون من التعرض لأذى ذاك السلاح فيقدمون كل ما هو فوق استطاعتهم، وأما الحد الآخر فهو مؤجل إلى ما بعد انتهاء العرس حيث يجد العريس نفسه محاطاً بالديون الاجتماعية المالية المضمونة بالعتاب والنظرة الدونية لمن لم يقدم المال أثناء واجب المشاركة في العرس.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قال: ( تهادوا تحابوا) فإنَّ العلة من الهدية هو تحقيق الحب بين الناس ولا يجتمع الحب مع التضييق وشدة الحرج، ولذلك ينبغي أن تصنع الهدية وداً يجعل العلاقات الاجتماعية أكثر متانةً وأعظم اتصالاً، وربما كانت أفضل الهدايا هي تلك التي ليس لها علاقة بالمال وإنما هي سلوكيات فاضلة يقدمها الإنسان استجابةً لطبيعته الإنسانية النبيلة، مثل: الابتسامة في وجه الآخرين فقد قال عنها الرسول الكريم: ( تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وكذلك تقديم المساعدة لمن احتاج إليها، تلك مشاعر إنسانية تحقق السعادة لصاحبها ولا ينتظر أحد مقابلها أيَّ جزاء مالي أو معنوي.

إنَّ ترك العادات والتقاليد التي توارثها الناس فيما بينهم جيلاً بعد جيل ليس بالأمر القبيح، خاصةً إذا كانت تؤدي إلى قطيعة الرحم، وصناعة الطبقات الاجتماعية، فلماذا لا نتبِّع اليُسر وقد أراده الله تعالى لنا، ونترك العسر وقد أمرنا الله تعالى باجتنابه، إنَّ أول مواجهة بين الأنبياء رضوان الله تعالى عليهم وبين الأقوام كانت مخالفة الانبياء للعادات السلبية التي ورثها الأقوام جيلاً بعد جيل عن آبائهم لذلك قالت الأقوام معترضةً على نهج الانبياء الجديد (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون).

ليس منسوب الحب بين العريس وأصدقائه يقاس بالمال، وإن كان الناس يحبون المال حباً جماً، ومن المؤكد أنَّ تقديمه لمن استطاع على ذلك مادياً أمراً مستحباً، ولكن التواصل الاجتماعي وتحقيق السعادة، والقضاء على الطبقية المصنوعة بفارق تقديم المال في المناسبات هي الحب الحقيقي، والصناعة الدائمة لعلاقة قائمة وثابتة، لا تعرف لغة المصالح ولا يؤثر على استمرارها حالة اقتصادية. 

لإضافة تعقيب الرجاء تعبئة البيانات

أضافة

التعليقات